قمة «المضائق والمصائر».. الرياض والقاهرة ترسمان مسارات الخروج الآمن للمنطقة

من «هرمز» وباب المندب إلى قناة السويس.. مواجهة «عسكرة البحار» وحماية السيادة العربية

محمد عبدالواحد الزيات

حين تضيق البحار بالمتآمرين، وتتحول المضائق البحرية إلى أدوات ابتزاز، وتصبح ناقلات النفط والسفن التجارية أهدافاً رخوة؛ تتسع مسؤولية السياسة بثقل اللحظة؛ فالمضيق الذي لا يبدو على الخريطة أكثر من خيط أزرق قد يتحول، في لحظة واحدة، إلى حبل يلتف حول عنق الاقتصاد العالمي، وإلى إصبع يضغط على نبض الطاقة والغذاء والتجارة، ومن هذه الحقيقة الثقيلة تكتسب زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة، معناها الاستثنائي؛ حيث يقف الشرق الأوسط على حافة جغرافيا مُلتهبة، تجعل العالم يترقب نتائج هذه القمة كما يترقب انفراج ممر ضاق بسفن الاقتصاد والسياسة معاً.

وصل سمو ولي العهد إلى مصر، للقاء أخيه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والمنطقة كجسدٍ واحد تتصل شرايينه من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، ولكنها تكاد تسمع صوت اختناقها لا سيما ومضيق هرمز تحت ضغط التصعيد بتوتر عند بوابة الخليج العربي بما يرفع أسعار الطاقة ويضاعف كلفة التأمين والشحن، بينما باب المندب بات رهينة لميليشيا حوثية وضعت يدها على مناطق يمنية ساحلية وحوّلت الموانئ والجزر إلى أوراق ابتزاز، فيما يدفع البحر الأحمر السفن بعيداً نحو رأس الرجاء الصالح في ظل عسكرة للمياه تطيل الرحلات وتستنزف الوقود والأساطيل وكذلك عوائد قناة السويس؛ وتضع العالم أمام فاتورة لا تعترف بالحدود.

وفي قلب هذه الخريطة التي تعصف بها سياسات حافة الهاوية، تأتي القمة السعودية المصرية لتمنع أحجار الشطرنج من التحرك فوق أرض العرب، وتستعيد زمام المبادرة، وتبني ميزان ردع يحمي السيادة، ويمنع تسليع الممرات البحرية، ويفتح للمنطقة مسارات خروج آمنة من حرب الاستنزاف الاقتصادي، ولذلك ينتظر العالم نتائج هذه القمة السعودية المصرية؛ لأنه يدرك أن اجتماع الثقل السعودي بالعمق المصري قد يكون اللحظة التي تسترد فيها المنطقة حقها في أن تظل لاعباً أساسياً وصانعة للتوازن وليست ميداناً للحرب بالوكالة وتصفية الحسابات.

وحين وصل الأمير محمد بن سلمان، إلى القاهرة، كانت شاشات أسواق الطاقة، وغرف عمليات شركات الشحن، وعواصم تبحث عن مخرج من حرب اتسعت خرائطها، تنتظر جميعها ما يمكن أن يصدر عن قطبين عربيين يقفان جغرافياً وسياسياً عند طرفي أخطر شريان بحري في العالم، حيث تأتي المملكة إلى هذا اللقاء وهي قلب الطاقة العربية، وصاحبة ساحلين على الخليج العربي والبحر الأحمر، ودولة جعلت موثوقية الإمداد جزءاً من رصيدها السياسي والاقتصادي، بينما تستقبلها مصر، حارسة المدخل الشمالي للبحر الأحمر، وصاحبة قناة السويس التي لا تعبرها السفن وحدها، بل تعبرها مصالح القارات ومواعيد المصانع وأسعار السلع؛ إذ تمتد بين البلدين خريطة واحدة، يمكن تفصيلها بأنه إذا اختنق هرمز اهتزت براميل النفط والغاز، وإذا اختنق باب المندب تعطلت السفن، وإذا وصلت النار إلى قناة السويس انتقل العالم من ارتفاع الكلفة إلى شلل شريان التجارة الدولية.

ويزاد اهتمام العالم بهذه الزيارة، لأنه على الرغم من أن المضيق البحري مثل مضيقي هرمز أو باب المندب هما في الجغرافيا عبارة عن شريط ضيق من الماء، إلا إنهما في الاقتصاد شريان حياة، وفي السياسة ميزان قوة، وفي زمن الفوضى قد يصبحان إصبعاً على عنق العالم؛ فمن يعبث بأمنهما يعبث بإيقاع المصانع، ومواعيد وصول الغذاء، وأسعار الوقود، واستقرار العملات، وقدرة الدول على النمو؛ لذلك بدت زيارة ولي العهد إلى القاهرة، هي الزيارة الأهم التي ينتظر العالم نتائجها في الوقت الحالي؛ فقد جاءت في ساعة تتراجع فيها مساحة الخطأ، وتزداد فيها تكلفة الانتظار، لأن الشرق الأوسط اليوم، لم يعد في مجرد الحاجة إلى بيان يصف الأزمة، بل إلى إرادة تعيد ترتيب ميزان القوى، وتمنع القوى الإقليمية والدولية من فرض معادلات نفوذ جديدة على حساب الأمن القومي العربي، وتوج\ قوة ردع لا تترك المنطقة رهينة للفوضى.

ولذلك ينظر العالم إلى لقاء القاهرة باعتباره اجتماعاً بين ركيزتين قادرتين على منع المنطقة من التحول إلى رقعة شطرنج يحرك الآخرون بيادقها، وذلك بإرادة مشتركة ترسم العنوان الذي ستسير تحته المنطقة في الأعوام المقبلة فحين يلتقي العمق الاستراتيجي السعودي بالموقع المصري، تتكون كتلة توازن تستطيع ردع المغامرة، واحتواء التصعيد، وفتح نوافذ الوساطة، وإعادة تعريف الأمن البحري باعتباره جزءاً لا يتجزأ من السيادة والأمن القومي العربي، في فرصة مصيرية لصياغة خارطة طريق تنتقل من إدارة الخطر إلى ردعه، ومن امتصاص الخسائر إلى معالجة أسبابها، ومن انتظار مبادرات الآخرين إلى صناعة مبادرة عربية تستعيد للمنطقة حقها في تقرير أمنها ومستقبلها

وبين مضيق يوشك أن يختنق، وقناة تدفع كلفة الفوضى، وعالم ينتظر طريقاً أقل خطراً، تقف السعودية ومصر مرة أخرى حيث تضعهما الجغرافيا والتاريخ والمسؤولية كـ صمام أمان للمنطقة، وحائط الصد الأخير أمام انزلاقها إلى المجهول، وهذا ما يمكن تحليليه عبر مسارات عدة، ومنها:

قمة على توقيت الخطر

جاءت الرسالة المركزية من قمة “الرياض-القاهرة” واضحة عقب لقاء ثنائي مغلق بين ولي العهد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ثم جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، بأن أمن المملكة ودول الخليج ومصر يعد نسيجاً واحدا، وأي اعتداء على السيادة السعودية أو سلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات الدولية مرفوض ومدان، وأن الظروف الراهنة تقتضي تضامناً وتنسيقاً أعلى، فضلاً عن دعم الإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، بالتوازي مع السعي إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وتتجاوز هذه المعطيات معنى التضامن التقليدي، لتضع البحر الأحمر والخليج العربي في نطاق أمني مترابط، وتعيد تعريف العلاقة بين القاهرة والرياض باعتبارها بنية دفاع سياسي واقتصادي عن المجال العربي كله، لأن البلدين ينظران إلى هرمز وباب المندب وقناة السويس بوصفها حلقات في سلسلة واحدة، وأي كسر في حلقة منها يصل صداه إلى الحلقة التالية؛ وهي بهذا المعنى تستعيد المبادرة العربية لمنطقة عاشت سنوات تُحرّك فيها بعض أزماتها كبيدق على رقعة شطرنج الآخرين، بينما تُستخدم الموانئ والجزر والميليشيات ووكلاء القوة لتغيير الوضع الراهن وابتزاز الدول، ولذلك يأتي العمل المشترك بين البلدين كقوة لنقل العرب من هامش الرقعة إلى مركز القرار.

هرمز.. عنق الزجاجة الذي يهز العالم

تبدو الجغرافيا في مضيق هرمز شديدة البساطة على الخريطة، لكنها بالغة القسوة في الاقتصاد، حيث يبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة 39 كيلومتراً تقريباً، غير أن كل اتجاه ملاحي يعمل داخل قناة لا يتجاوز عرضها ميلين بحريين. وبحسب وكالة الطاقة الدولية عبر هذا الممر يومياً في عام 2025م قرابة 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، أي نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم؛ كما مرّ عبره ما يعادل 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وكانت 80% من تدفقات النفط المتجهة عبره تقصد آسيا.

وتفسر هذه الأرقام لماذا لا يبقى التوتر في هرمز داخل حدوده المائية، لأنه قبل القرصنة والاعتداءات التي تمارسها إيران ضد السفن، كان المضيق يستقبل نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، بينما في يوم الاثنين 14 سبتمبر، هبط عدد سفن الشحن السلعي العابرة إلى أربع فقط، مقابل عشر في اليوم السابق، وفق بيانات أولية لشركة “كبلر” العالمية المتخصصة في تحليل الأسواق؛ وهو رقم قد لا يشمل بعض السفن التي أغلقت أنظمة التعريف الآلي تفادياً للرصد، وبالتزامن مع ذلك لامس خام برنت 108.43 دولارات للبرميل بحسب منصة “ترايدينج إيكونوميكس”.

وهنا تعمل معادلة السبب والنتيجة، فحين يتصاعد الخطر الأمني، تنسحب الناقلات أو تنتظر؛ بينما ينكمش المعروض الفعلي من النفط وتدخل “مخاطر الحرب” في السعر؛ فترتفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين؛ ثم تصل الفاتورة إلى وقود السيارة، وتذكرة الطيران، وكلفة الكهرباء والغذاء والدواء، ويتحول المضيق، في هذه الحالة، من ممر للنفط إلى صمام تضخم عالمي، فحين يتعرض للخنق؛ يدخل المستهلك في آسيا وأوروبا وأفريقيا حرباً لم يخترها، لكنه يدفع ضريبتها. لذلك فإن سياسة حافة الهاوية في هرمز لا تختبر صبر الخصوم وحدهم؛ إنها تضع الاقتصاد العالمي بأكمله عند عنق زجاجة، وتفتح الباب أمام تضخم أعلى ونمو أبطأ واضطراب أشد في الأسواق.

باب المندب.. حين يقترب البيدق من قلب الرقعة

إذا كان هرمز بوابة الطاقة الشرقية، فإن باب المندب هو بوابة البحر الأحمر الجنوبية ذات التأثير الكبير أيضاً على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهذا ما عكس الواقع خلال الأيام السابقة للقمة، حيث تمددت الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران على الساحل الغربي لليمن، واستولت ـ بحسب مسؤولين في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ـ على جزيرة ميون “بريم” الواقعة في فم المضيق، مع بسط سيطرة فعلية على معظم الساحل الغربي، وعلى إثر ذلك تضاءلت السفن العابرة للمضيق، حيث عبرت 21 سفينة للشحن السلعي في 14 سبتمبر ، نزولًا من 28 سفينة في اليوم السابق وفقاً لوكالة “رويترز”.

وليس من الدقة اختزال المأساة اليمنية في مجرد تفكك داخلي وهيمنة مليشيا إرهابية مسلحة بل في أطراف إقليمية ودولية تجد في استمرار الصراع عائداً استراتيجياً، لأن اليمن المعلّق بين الحرب والسلام يبقى شوكة أمنية في الخاصرة الجنوبية للمملكة، بهدف استنزاف مواردهـا الدفاعية ومحاولة إشغالها عن مشروعها التنموي؛ كما أن باب المندب المضطرب يتحول إلى أداة ضغط على مصر، لأن كل سفينة تُجبر على هجر البحر الأحمر تعني رسوماً مفقودة من قناة السويس وضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي؛ وهكذا تصبح الفوضى وسيلة لحصار المنطقة اقتصادياً وجغرافياً، ويغدو الساحل اليمني ورقة ابتزاز يمكن عبرها الضغط على دولتين تمثلان صمام الأمان العربين حيث السعودية في قلب معادلة الطاقة، ومصر عند بوابة التجارة العالمية.

ومن حيث التوظيف.. تبدو “مليشيات الحوثي” لا تتطابق مع قوات “الدعم السريع” بالسودان، في النشأة أو البنية أو السياق، لكنهما تتشابهان في الوظيفة الجيوسياسية من حيث كونهما “تشكيل مُسلح” ينمو خارج احتكار الدولة للقوة، ويسيطر على الجغرافيا والموارد، ويقيم سيادة موازية تجعل البلاد عالقةً في منطقة رمادية؛ فلا الحرب تُحسم، ولا السلام يستقر، ولا الدولة تستعيد قرارها كاملاً؛ ولذلك نجد في اليمن أن الموانئ والجزر والمناطق الساحلية تتحول إلى أوراق ضغط على باب المندب، وفي السودان تتحول المدن ومناطق الثروة وطرق التجارة إلى وقود لصراع مفتوح؛ وفي الحالتين تبقى البلاد فوق “صفيح ساخن”، بينما تستفيد القوى الخارجية من نزيف الدولة ومن قدرة الوكيل المسلح على خلط الأوراق واستنزاف دول الجوار من دون خوض مواجهة مباشرة.

والخطر هنا بات أبعد من صاروخ أو مسيّرة لأن الاستيلاء على جزيرة أو ميناء مُطل على هذا ممر باب المندب الحيوي يسمح بتحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ابتزاز، ويغري بتسليع الممرات البحرية تحت معادلة عنوانها “المرور مقابل إذن سياسي، أو الحماية مقابل تنازل، أو التهديد مقابل نفوذ”، فهي معادلة لا تمس اليمن وحده؛ بل تنقل حرب الوكالة إلى سطح البحر، وتجعل التجارة الدولية رهينة جماعة مسلحة، وتضع السيادة الوطنية للدول تحت ضغط أهداف رخوة يصعب تحصينها كلها في وقت واحد؛ من ناقلة منفردة إلى رصيف نفطي أو محطة ضخ.

أما الربط بين هرمز وباب المندب فليس بلاغة جيوسياسية، بل حقيقة تشغيلية، لأن النفط الخارج من الخليج يمر عادة عبر هرمز إلى بحر العرب، ثم يتجه جزء منه إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس نحو أوروبا، بينما حين يُغلق هرمز، تعتمد المملكة بصورة أكبر على خط “شرق–غرب” لنقل الخام من حقول الشرق إلى ينبع على البحر الأحمر، بينما من ينبع يصبح أمام الناقلات مساران، هما: جنوباً عبر باب المندب نحو آسيا، أو شمالاً عبر قناة السويس وخط “سوميد” إلى المتوس؛. فإذا جرى الضغط على هرمز، ثم استهداف خط الأنابيب، ثم تهديد باب المندب، فالمقصود ليس تعطيل طريق واحد؛ إنها محاولة حصار المنطقة اقتصادياً وجغرافياً، وإجبارها على دفع “تكلفة الخلاص” في كل اتجاه.

قناة السويس في عين العاصفة

دفعت مصر أيضاً ثمن “عسكرة البحر الأحمر”، فوفقاً لبيانات هيئة قناة السويس هبطت إيرادات القناة من 9.4 مليارات دولار عام 2022/2023 إلى 7.1 مليارات في 2023/2024، ثم إلى نحو 3.8 مليارات دولار في 2024/2025، بعدما أعادت شركات شحن كبرى توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح، على الرغم من أن القناة لم تكن مغلقة؛ بل الذي أُغلق عملياً هو شهية شركات الملاحة لتحمل الخطر في الطريق المؤدي إليها.

لكن عام 2026 حمل مفارقة تستحق القراءة المتأنية، لأن الإغلاق الفعلي لهرمز دفع مزيداً من النفط السعودي إلى الساحل الغربي، وزاد استخدام المسار الشمالي عبر السويس وسوميد؛ لتعبر القناة في يوليو الماضي 1,340 سفينة، بزيادة 27 % على أساس سنوي، بينها 526 ناقلة نفط مقابل 485 ناقلة في يونيو؛ وارتفع إيراد الشهر إلى 505 ملايين دولار، بنمو 42 %، وهو أعلى مستوى شهري منذ ديسمبر 2023. ومع ذلك بقيت الحركة والإيرادات دون مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر؛ ففي أبريل 2023 وحده عبرت نحو 2,300 سفينة وفقاً للبيانات الحكومية المصرية.

وتبدو المفارقة هنا في أن مصر قد تستفيد تكتيكياً من تحويل بعض الناقلات شمالاً بسبب أزمة هرمز، بينما تظل خاسرة استراتيجياً من غياب الأمن عند باب المندب، لأن الناقلات منحت القناة تعافياً جزئياً، لكن سفن الحاويات ـ وهي عماد تجارة آسيا وأوروبا ـ لن تعود بكامل طاقتها ما دامت قواعد الاشتباك غير واضحة وعلاوة مخاطر الحرب مرتفعة، ولذلك فإن الارتفاع الشهري لا يعني انتهاء الأزمة؛ بل إنه أشبه بنبضة قوية في شريان ما زال محاطاً بالخطر.

وتزداد أهمية قناة السويس في كونها ليست مجرد إيراداً سيادياً لمصر فحسب، ولكنها اختصار زمني واقتصادي للعالم، فبحسب وكالة الطاقة الدولية، يوفر المرور عبرها قرابة أسبوعين مقارنة بالدوران حول طريق “رأس الرجاء الصالح”، وحين تُجبر السفن على الطريق الأطول، يزداد استهلاك الوقود، وتنخفض الطاقة الفعلية للأساطيل، لأن السفينة تقضي أياماً إضافية في البحر، وتتأخر المواد الخام والمكونات الصناعية، ثم ترتفع تكاليف التخزين والتمويل والتأمين؛ وهنا يبدأ شلل شريان في نقطة ضيقة، ثم ينتشر أثره كأحجار الدومينو في المصنع والمتجر وميزانية الأسرة.

وتستطيع مصر أن تدير هذا الاختبار الأشد حرجاً بتحويل الخطر إلى فرصة عنوانها ألا تبقى القناة مجرد بوابة لتحصيل رسوم العبور، بل تتوسع حولها منظومة الموانئ والخدمات البحرية وتموين السفن والإصلاح والتخزين وإعادة الشحن، لأن الخصومات قد تستعيد رحلة، أما تحويل محور السويس إلى منصة لوجستية متكاملة فيُبقي جزءاً أكبر من القيمة الاقتصادية داخل مصر حتى عندما تضطرب المسارات؛ وهذا ما يمكن إكماله بضمانات أمنية واتصالات مباشرة مع شركات الملاحة والتأمين؛ لأن قرار العودة إلى القناة يُصنع في غرف تقييم المخاطر بقدر ما يُصنع على سطح البحر.

القاهرة والرياض.. حائط الصد الأخير أمام فوضى المضائق

ويشير الواقع إلى أن الأمن المائي العربي، بالمعنى الجيوسياسي الواسع للمياه والمضائق والقنوات، لا يمكن حمايته من عاصمة واحدة أو بأداة واحدة، بل بتكاتف المواقف والتكتل العربي، فالمملكة تمتلك الثقل السياسي والاقتصادي والطاقة اللازمة لتشكيل المواقف الدولية، ولها ساحل طويل على البحر الأحمر وعمق مباشر في الملف اليمني، بينما مصر تمتلك موقع قناة السويس، والقدرة على حماية المدخل الشمالي للبحر الأحمر، وبنية موانئ وطاقة تربط البحرين الأحمر والمتوسط، فضلاً عن خبرة دبلوماسية وعسكرية ممتدة في إدارة الأزمات الإقليمية؛ ولذلك فإن اجتماعهما يخلق عمقاً استراتيجياً متصلاً من الخليج إلى البحر المتوسط.

وتستطيع القاهرة، بالتنسيق مع الرياض، تحويل التوافق المعلن إلى غرفة اتصال دائمة للوعي البحري المشترك؛ بحيث تجمع بيانات الرصد وحركة السفن، وتنسق الإنذار المبكر، ومكافحة الألغام، والبحث والإنقاذ، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، فضلاً عن استخدام وزنها الدبلوماسي لفتح مسارات اتصال مع القوى الكبرى والدول المشاطئة للبحر الأحمر، ودعم مساعٍ حميدة تضع حرية الملاحة خارج سوق المساومات، من دون أن تمنح أي جماعة مسلحة شرعية الأمر الواقع.

وتملك مصر كذلك ورقة لوجستية بالغة الأهمية هي خط “سوميد” الذي يصل العين السخنة على البحر الأحمر بسيدي كرير على المتوسط عبر خطين متوازيين بطول 320 كيلومتراً. وتبلغ طاقته نحو 2.5 مليون برميل يومياً، فيما توفر منشآت الشركة سعات تخزين تعادل نحو 18.4 مليون برميل في العين السخنة و19.5 مليون برميل في سيدي كرير، وفقاً لشركة سوميد. وهذه البنية لا تستبدل هرمز؛ فالنفط يجب أن يصل أولاً إلى البحر الأحمر، لكنها تمنح السعودية ومصر مساحة للتحوط من المخاطر، وتخفف اختناقات الناقلات العملاقة، وتوفر جسراً عربياً للطاقة نحو أوروبا.

أما المملكة فقد بنت منذ عقود خط “شرق–غرب” بطول 1,200 كيلومتر من بقيق إلى ينبع لتجاوز هرمز عند الضرورة، وهذا ما بدى خلال الشهور الستة السابقة للاعتداء الأخير عليه، حيث نقل الخط ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل أربعة إلى خمسة في المئة من الإمدادات العالمية، قبل إيقافه احترازياً بصورة مؤقتة بعد تعرضه لاعتداء جوي. ولا تقلل هذه الواقعة من قيمة البديل؛ بل تؤكد أن الاستراتيجية الجديدة أنه يجب أن تنتقل من “الطريق البديل” إلى “شبكة البدائل” من خلال حماية موزعة، ومخزونات متعددة، وسعات مرنة، وربط أكبر بين ينبع والسويس و”سوميد”، وخطط استجابة لا تسمح لهجوم واحد بأن يتحول إلى عنق زجاجة جديد.

الردع البحري.. قوة تحمي السياسة ولا تبتلعها

أثبتت التجربة أن نشر القطع البحرية وحده لا يكفي، لأن هناك فرق بين حماية سفينة أثناء عبورها وبين تأمين ممر بحري كامل ومستدام، فالضربة الاستباقية قد تعطل منصة إطلاق أو تزيل خطراً وشيكاً، لكنها لا تبني نظام أمن إقليمي، ولا تعالج الفراغ السياسي والأمني الذي يسمح بعودة التهديد في صورة أخرى. وفي المقابل، فإن الوساطة الدبلوماسية التي لا يسندها ردع موثوق قد تتحول إلى وقت إضافي يمنح المعتدي فرصة لإعادة التموضع.

وتعثرت مقاربات الاحتواء الدولية حين تعاملت مع الخطر بوصفه سلسلة حوادث بحرية منفصلة، لا أزمة سيادة ودولة على اليابسة، في الوقت الذي تستطيع خلاله قوة بحرية مرافقة قافلة سفن أو اعتراض مسيّرة، لكنها لا تستطيع بذلك أن تحل محل الدولة اليمنية على ساحلها، ولا أن تمنع إلى الأبد تحويل الميناء اليمني إلى مخزن سلاح والجزيرة اليمنية إلى منصة تهديد؛ لذلك يبدأ الأمن البحري المستدام من استعادة الدولة لوظيفتها، ثم تُكمله الحماية العسكرية ولا تستبدله.

وعلى هذا الوقع لم تكتفِ المملكة بالتحذير من “عسكرة البحار”، بل انتقلت إلى بناء مظلة دولية للردع عبر مبادرتها لتأسيس “التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات”؛ حيث استضافت وزارة الدفاع في يوليو 2026، مُمثلي 43 دولة، إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي، وأعلنت 14 دولة ــبينها مصرــ دعمها للترتيبات التأسيسية، على أن تكون السعودية الدولة المؤسسة والقائدة، وأن تستضيف مقر التحالف وقيادته. ويغطي نطاق عمل هذا التحالف باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، لحماية السفن وناقلات الطاقة وسلاسل الإمداد، حيث تكمن أهميته في أنه لا يتعامل مع الهجوم على ناقلة بوصفه حادثاً معزولاً، بل اعتداءً على منظومة الاقتصاد العالمي، بما ينقل كلفة المواجهة من دولة مستهدفة إلى مسؤولية دولية مشتركة، فيما تعزز الطابع المؤسسي للمبادرة بتعيين قائد للتحالف وبدء استكمال ترتيبات القيادة والسيطرة والتشغيل المشترك.

ووسط هذا المشهد المعقد، تتبلور المعادلة الرشيدة التي تستطيع الرياض والقاهرة قيادتها من خلال ثلاثة أضلاع، وهي ردع منضبط يحمي السفن والسيادة الوطنية وفق القانون الدولي؛ ودبلوماسية نشطة تفتح مسارات الخروج الآمن وتمنع التصعيد الممنهج؛ وتسوية يمنية تستعيد للدولة مؤسساتها وسواحلها وموانئها، لأن الموانئ اليمنية يجب أن تكون شريان حياة للشعب اليمني، لا أوراق ابتزاز في يد مشروع إقليمي، واليمن لا ينبغي أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات وحرب الاستنزاف بين القوى.

من الممر إلى المواطن.. أحجار الدومينو

قد تبدو المضائق بعيدة عن حياة المواطنين في مختلف الدول حول العالم، لكن المسافة بين باب المندب ورف المتجر أقصر مما توحي به الخريطة، فعندما تتعطل الناقلة ترتفع أجرة الشحن والتأمين، وعندما يطول المسار ترتفع فاتورة الوقود ويقل عدد الرحلات التي يستطيع الأسطول تنفيذها، وعندما يتأخر وصول الخام أو الحاوية، تزيد كلفة رأس المال والمخزون؛ وفي النهاية يضيف المنتج والمستورد هذه الأعباء إلى السعر.

وهذا ما يمكن تسميته بـ “حرب الاستنزاف الاقتصادي” في صورتها الحديثة التي لا تحتاج إلى حصار معلن، لأن مجرد إبقاء البيئة الأمنية هشة يكفي لفرض “ضريبة خوف” يومية على التجارة، حيث قد يصبح المضيق مفتوحاً قانوناً، لكنه مغلق اقتصادياً إذا رأت شركات التأمين أن المرور لا يستحق المجازفة؛ ما يعني أن حماية الملاحة ليست خدمة لشركات الشحن، بل سياسة اجتماعية تحمي القدرة الشرائية للمواطن العالمي، وتحافظ على الوظائف، وتحد من التضخم، وتمنع سلاح الطاقة من التحول إلى سلاح ضد الشعوب.

اقتصاد القمة.. شراكة مقاومة للصدمات

وعلى جانب التعاون الاقتصادي بين السعودية ومصر، تسهم قمة القاهرة في ربط التنسيق السياسي بإجراءات عملية لتطوير التعاون، وإزالة ما يعوق نمو التجارة والاستثمار؛ حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 82.2  مليار دولار بين عامي 2021 و2025م، فيما بلغ أيضاً نحو 7.1 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 20 % عن الفترة نفسها من عام 2025؛ وبلغت الصادرات المصرية إلى المملكة 1.8 مليار دولار، والواردات منها 5.3 مليارات، فيما تقدر أحدث البيانات الحكومية المصرية رصيد الاستثمارات السعودية في مصر بنحو 25 مليار دولار، ويعمل البلدان على مشروع ربط كهربائي قيمته 1.3 مليار دولار، بطاقة تبادل تصل إلى 3,000 ميغاواط.

هذه الأرقام تعد جزءاً من استراتيجية الردع الشامل؛ لأن كل مصنع مشترك بين البلدين، وربط كهربائي، واستثمار في الموانئ واللوجستيات، وسلسلة توريد بديلة، يخفف قدرة الأزمات الخارجية على تكبيل البلدين. ولذلك تعزّز زيارة ولي العهد للقاهرة من تحول عبارة «إزالة العقبات» إلى جدول زمني يتضمن تسريع قرارات الاستثمار، وتكامل مناطق قناة السويس وموانئ البحر الأحمر مع المراكز اللوجستية السعودية، وتوسيع أمن الطاقة والغذاء، وبناء آليات تمويل وتأمين مشتركة للمشروعات التي تخدم مرونة سلاسل الإمداد.

خارطة الطريق.. أربعة سيناريوهات للخلاص

يمكن تحليل خارطة الطريق أمام البلدين عبر عدة سيناريوهات، فالسيناريو الأول من الموقع أن يكون عبارة احتواء الأزمة واستعادة الملاحة، حيث نجاح الضغط السياسي والردع المنضبط في وقف الهجمات، ومن ثم إعادة تشغيل خط شرق-غرب، وتنتج الوساطة الدبلوماسية تفاهماً يضمن المرور في هرمز، بالتزامن مع مسار سياسي يمني؛ وعندها تنخفض علاوة مخاطر الحرب؛ وتتراجع أسعار النفط والشحن، وتستعيد قناة السويس حركة الحاويات تدريجياً؛ وهذا يعد المسار الأقل كلفة والأكثر توافقاً مع مصالح المنتجين والمستهلكين.

بيد أن السيناريو الثاني، من المتوقع أن يأتي نتيجة اضطراب طويل يُبقى الممرات مفتوحة جزئياً، وتستمر السفن في التحوط وإطفاء أجهزة التتبع أو تغيير المسارات، بينما تتناوب الهجمات والتهدئة؛ وفي هذا الوضع تعيش الأسواق على أعصابها، ويظل خام “برنت” مُحملاً بعلاوة حرب، وتحصل قناة السويس على إيرادات إضافية من بعض الناقلات مع استمرار خسارتها جزءاً كبيراً من حركة الحاويات؛ مما يشير إلى سيناريو “حرب استنزاف” بلا إعلان، وقد يكون الأقرب إذا لم تتحول اتصالات القمة إلى ترتيبات عملية سريعة.

فيما يأتي السيناريو الثالث كـ تأثير أحجار الدومينو، حين تتزامن قيود هرمز مع إغلاق فعلي لباب المندب أو استهداف جديد للبنية التحتية للطاقة والموانئ، وعندها لا يواجه العالم زيادة في كلفة الشحن فحسب، بل نقصاً مادياً في النفط والغاز، واضطراباً في المصانع وسلاسل الغذاء، وموجة تضخم قد تدفع اقتصادات عديدة نحو الركود؛ ولذلك فهو السيناريو الذي يجعل التنسيق المصري–السعودي ضرورة دولية، لا شأناً ثنائياً.

ولمنع هذا السيناريو الثالث، تحتاج قمة القاهرة إلى امتداد مؤسسي سريع يكمن في آلية تشاور سياسي وأمني تعمل على مدار الساعة؛ وتصور عربي موحد لأمن البحر الأحمر؛ وتنسيق مع الدول المشاطئة والمنظمة البحرية الدولية؛ وخطة لحماية خطوط الأنابيب والموانئ والمخزونات؛ ومسار دبلوماسي يجمع الضغط والوساطة من أجل تسوية يمنية وضمانات ملاحة لا تخضع للابتزاز؛ فالمطلوب إذن ليس عسكرة البحار، بل منع من يريد عسكرة البحر من مكافأة نفسه بنفوذ جديد.

أما إذا أُغلقت نوافذ الحوار واستمر تهديد الأراضي السعودية والملاحة الدولية، فقد يصبح السيناريو الرابع انتقالاً من الاحتواء إلى الردع القسري الذي لا يعني حرباً مفتوحة أو اجتياحاً بلا سقف، بل عملية دفاعية مُتعددة الأطراف، مُحددة الأهداف والمدة، تستند إلى الشرعية اليمنية والقانون الدولي وقواعد اشتباك صارمة؛ حيث تبدأ بحماية السفن وناقلات الطاقة، وتكامل الإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري، واعتراض شحنات السلاح غير المشروعة، ثم تحييد القدرات المستخدمة مباشرة في إطلاق الصواريخ والمسيّرات وتهديد الموانئ والممرات، مع إبقاء الطرق الإنسانية مفتوحة وتجنيب المدنيين كلفة المواجهة.

وتتطلب فاعلية هذا المسار قيادة موحدة وتوزيعاً دقيقاً للأدوار، بحيث تكون السعودية في مركز القيادة والتنسيق والقدرات الدفاعية واللوجستية، ومصر في حماية المدخل الشمالي للبحر الأحمر وقناة السويس، والدول المشاركة في تأمين السفن وتبادل المعلومات ومراقبة خطوط التهريب، بالتوازي مع تمكين الحكومة اليمنية ومؤسساتها الشرعية من استعادة الساحل وحمايته، بينما يمتد الردع إلى كل جهة مسلحة يثبت تورطها في الاعتداءات، أياً كان موقعها، من دون تحويل المعركة إلى حرب إقليمية بلا نهاية.

ويُقاس نجاح هذا السيناريو ليس بمجرد عدد الضربات، بل بقدرته على وقف الهجمات، وإعادة حرية الملاحة، ومنع تحويل الموانئ اليمنية إلى أوراق ابتزاز، ثم إعادة الملف إلى تسوية سياسية يمنية شاملة؛ لأن المعهود أن الحرب الرشيدة ليست حرباً تبحث عن خصم دائم، وإنما قوة محسوبة تفتح باب السلام حين تحاول الميليشيا إغلاقه؛ ولتقرير مصير “متى يتنفس البحر؟”.

حين تستعيد المنطقة حقها في كتابة الخريطة

في الخامس عشر من سبتمبر 2026م، جاءت زيارة ولي العهد إلى القاهرة لتأمين مستقبل إقليم تقف ممراته الحيوية تحت الضغط، بينما النتيجة الأعمق للقاء الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسي هي تثبيت قاعدة استراتيجية مفادها أن أمن السعودية امتداد لأمن مصر، وأمن قناة السويس متصل بأمن باب المندب، واستقرار هرمز مصلحة عربية وعالمية، وأن السيادة لا تُجزأ.

وينتظر العالم نتائج هذه الزيارة لأن السفينة التي تتعطل في مضيقي هرمز وباب المندب تدفع ثمنها قارة بأكملها، ولأن برميل النفط الذي يُحتجز في صراع النفوذ يرفع فاتورة بيت بعيد آلاف الأميال، ولأن ترك الموانئ والجزر في قبضة الميليشيات يحول المنطقة كلها إلى رهينة التجاذبات الإقليمية. وينتظر العالم أيضاً لأن الرياض والقاهرة تملكان ما لا تملكه عواصم كثيرة مجتمعة مثل الموقع، والشرعية، والثقل، والقدرة على الجمع بين الحزم والبراغماتية.

وحين تتوافق المملكة ومصر، تحميان حق المنطقة في ألا تكون منطقة نفوذ للآخرين؛ فعندها تتحول الجغرافيا من حصار إلى قدرة، والممر من عنق زجاجة إلى شريان حياة، والعرب من بيادق على رقعة مضطربة إلى أصحاب قرار يكتبون خارطة الطريق، وتلك هي القيمة الحقيقية للزيارة الأهم في الوقت الحالي بأن تعيد للشرق الأوسط بوصلة الخروج من حافة الهاوية، وأن تجعل من محور الرياض–القاهرة صمام الأمان لمستقبل لا يُملى على المنطقة، بل تصنعه بإرادتها.